مع " صاحب الحكايا " - الجزيرة توك فى حوار مع أسعد طه








مع " صاحب الحكايا "
الجزيرة توك فى حوار مع أسعد طه
حسام يحيى - الجزيرة توك - مصر



"يحكى أن أمراً غاية في الغرابة وقع ذات يوم في البلاد الوضاءة، الحجاج يعود إلى المدينة؛الجنود يعدمون كل رهينة، وعلى الحدود جحافل التتار تحاصر زاد الصغار، والعدوَّان يمنعان عن البلاد الدفاتر والكتاب، وكل ما يمكن أن يكون خبزاً أو حرية.أغرب ما في القضية – ويا للعار- أن الأحرار خلف الحدود والديار يشاهدون وهم صامتونوقائع الجريمة، الرفاق منهم وحتى الإخوان. فلما زاد الزمان والظلم والحصار قال رجال ونساء من مختلف الأعمار: نهرب، لعل عند الغريب نجد الملجأ والأمان، لكن كان ما كان. وهاكم الحكاية من البداية :

آه أبا مسلم !! الذهن في شرود، والنفس في هيام، والقلب كقدر الماء يغلي ويغلي.آه !! ها أنت من جديد يصحو فيك الحنين، تهيج في الفؤاد الأشواق، رغم طول الفراق. يغالبك البكاء، تهزمك – يا صاحبي- قوافل الذكريات كف عن هذا، وهل انقطع الود يوماً، أو هي غابت عني حين غبت، وأنا الذي كأني حين وُلدتْ وُلدتُ زمان.."

هذه إحدى مقدمات برنامج " يُحكى أن "، البرنامج الشهير الذي جذب الكثيرين منا إلى الأفلام الوثائقية،سبقه برنامج " نقطة ساخنة " الذي نُشرت حلقة جديدة منه منذ فترة قريبة على قناة الجزيرة بعنوان : برشتينا - غزة لماذا هنا وليس هنالك، الحلقة الجديدة التي أعادت إلى الأذهان اسم "أسعد طه".

حاورنا الأستاذ " أسعد طه " لنكتشف معه المزيد من تجربته المتميزة المُلهِمة للعديد من منتجي الأفلام الوثائقية من الشباب؛ وكان هذا الحوار .


الجزيرة توك : فى البداية نهنئكم الأستاذ أسعد بجائزة التميز التي حصلتم عليها من مهرجان كان تقديراً لجهودكم في إنتاج الفيلم الوثائقي خلال السنوات العشر الماضية، ونبدأ بالسؤال عن من الذي دفعك إلى دخول هذا المجال ؟ وكيف كانت التجربة منذ البداية ؟

طه : ليس شخصا بعينه إذا كنت تسأل " من " وليس أيضا حدثا بعينه ، وإنما هو مسار طويل أو قل إن شئت تراكمات متعددة، لقد بدأت بالصحافة المكتوبة، ثم خضت في المسموعة، ثم وجدت نفسي مندفعا إلى المرئية ، تحديدا مراسلا صحفيا ، كانت البوسنة والهرسك هي المكان الذي بدأت فيه العمل التلفزيوني ، وحينها كانت الحرب مستعرة ، بعد فترة عمل لاحظت أن التقارير الإخبارية تتعامل مع المشاهدين على أنهم ملمين بالحدث وبالجغرافيا وبالسياسة، فبدأت أستبدل التقارير الإخبارية بقصص قصيرة مدتها دقيقتان أو أكثر قليلا تصف وتشرح موقفا هنا أو هناك ، تلك الأمور التي تتجاهلها ماكينات الأخبار في كل وسائل الإعلام الباحثة عن خبر ساخن أو مثير، وتجري هناك خلف كاميرات الصحفيين لكنها تعكس واقع الناس البسطاء.

أعددت عدة ريبورتاجات من البوسنة والهرسك ومن البلقان ، وما أن انتهت الحرب حتى وجدتني تواقا لأن أكتشف العالم وأبحث عن تلك القصص التي لا تلق اهتماما من وسائل الإعلام العربية بالذات ، وهكذا رحت أبحث عن قضايا غير مطروقة، أو عن جوانب مخفية لقضايا معروفة . وكانت نافذتي برنامج " نقطة ساخنة " ، لكن مرة أخرى اكتشفت أن على هامش القضايا السياسية التي أعالجها أمور إنسانية وتاريخية مهملة .

ولأني أميل إلي حب الأدب أردت أن يكون برنامجي الجديد " يحكى أن " عبارة عن حكاية بسيطة لحدث عظيم مدفون هنا أو هناك ، وبدأت بقصة نفق سراييفو ، ذلك الذي حفظ للناس بفضل الله حياتهم طوال مدة الحرب والحصار ، ولم يشر إليه أحد من قبل رغم أنه كان كما ذكرت سببا في انقاذ حياة الناس في سراييفو، وانطلقت من البلقان لأجول العالم، زرت وعملت حتى الآن في أكثر من سبعين بلدا، تعبت جدا غير أن رغبتي في السفر تزداد كل يوم بشكل غريب، وحبي للفيلم الوثائقي ودوره يزداد، وأسست شركتي المعنية والمتخصصة في إنتاج الأفلام والبرامج الوثائقية، وألتف حولي مجموعة من الزميلات والزملاء الذين أحفظ لهم دورهم في بناء هذه المؤسسة، وبالطبع ما كان لإنتاجنا أن يرى النور ما لم تمنحنا الجزيرة كل هذه السعة على منبرها.

في كل الأحوال ، أنا لم أنشأ أكاديميا ، ولم أدرس هذا المجال ، أنا فقط أتبعت قلبي في كل خطوة ، وبحثت عما يدهشني ، ما يثيرني شخصيا فحولته إلى موضوع أو تقرير أو ريبورتاج أو برنامج أو فيلم وثائقي ، لم أكن أبحث عما يثير وما طلبه المشاهدون ، وكل موضوع مما أنتجته هو بمثابة رحلة شخصية أصل فيها إلي ما وصلت إليه.


الجزيرة توك : عادة الصحفيون يواجهون الكثير من العقبات أثناء عملهم ، ما هي أبرز العقبات التي واجهت أسعد طه أثناء أداء عمله ؟

طه : بالتأكيد أمور متعددة ، أهمها ما كنت أوجهه في الميدان ، عند التصوير ، سواء من الأخطار الأمنية والصحية والمضايقات ومشاكل التأشيرات والتعامل مع الأجهزة الأمنية ، أو مشاكل وعقبات مهنية ، مثل إيجاد الفريق الملائم للعمل في هذا الحدث أو ذاك ، في الحقيقة لا أحب أن أخوض في هذا الأمر كثيرا فأبدو كالبطل الذي واجه الصعاب وأنتصر عليه ، في النهاية هي عقبات طبيعية إذا صح التعبير وعلى من يؤمن بهذا الطريق أن يتحملها راضيا ، ولا أظن أن مقابلا ماديا مهما عظم يغنيك أو يعوضك عما تواجهه من مشاكل ، وإنما هو إيمانك بما تفعل وجدواه.


الجزيرة توك : هل ننتظر حلقات جديدة من برنامج نقطة ساخنة على الجزيرة بعد" برشتينا - غزة لماذا هنا وليس هنالك " ؟

طه : نعم ، أعمل على ذلك لكن أحتاج لبعض الوقت ، ليس قبل أربعة خمسة شهور بإذن الله.


الجزيرة توك : أذكر أنه من فترة كتبت قائلاً "تم استدعائي في المطار فيما كان ضابط الجوازات قد أنهى إجراءات كل ركاب الطائرة الضخمة التي أقلتني ، بدأ رجل الأمن في الاستجواب ، معلومات عامة طلبها عني أشعرتني أنني شخص مهم ، ثم سؤال عن كل بلد زرته وعلى جواز سفري تأشيرة دخوله ، ثم تتابعت الأسئلة التي كنت أرد عليها واحدة بعد الأخرى وأنا لا أفهم سر المسألة، ثم باغتني بالسؤال : ما سبب الزيارة ، اندفعت أجيب بحرارة عن الظرف العائلي الذي أستدعى قدومي ، وفي لحظة تذكرت شيئا فتوقفت وسألت : عفوا أنا لست سائحا ، أنا أبن هذا البلد ، فكيف تطلب منى تبريرا لدخول بلدي ، المشكلة أن الرجل لم يستوعب سبب غضبي ودهشتي فيما رحت أتذكر أن أحدا لم يوجه لي هذا السؤال في البلدان التي زرتها قبل أن أصل إلى بلدي ، ولو سئلت لكان أمرا طبيعيا ، بعد حوالي الساعتين رد لي رجل الأمن جواز سفري ، وبابتسامة صفراء قال لي مرحبا في بلدك فيما كانت مجموعة من الشباب تنتظر رجل الأمن المهيب ليرد لها جوازات سفرها ، مرحبا بها "في بلدها. هل مازلت تجد تلك المعاملة ؟وبماذا تبررها لكل من يعلمون فى مجال الإعلام المحترم ؟

طه : نعم ، وهناك من هو أسوأ حالا مني ، أي يواجه ما هو أسوأ ، وهو أمر طبيعي، هل تعتقد أن عليهم أن يصفقون لنا، هم يعتقدون أن العمل الجاد والمحترم والمهني أشد خطرا عليهم وعلى مستقبلهم لأنه ببساطة يفضحهم وقادر على إقناع الناس بالمنطق وتبصيرهم بالواقع ، وليس بالضرورة أن يكون حتى عملا وثائقيا ، ربما عملا دراميا أو أغنية أو كاريكاتير أو أي جهد بشري جاد ومهني.


الجزيرة توك : ما هي نصيحتك للشباب من الذين يريدون أن يعملوا في هذا المجال ؟

طه : المغامرة ، والمغامرة أمر والطيش أمر آخر ، ما أقصده هو المغامرة المحسوبة ، دونها سيبقى المرء يراوح مكانه ، لن يأتي إليك أحد بما تريد على طبق من فضة ، عليك أن تغامر ، ولا تطلب كل شيء من الخطوة الأولى ، عائد أدبي ومالي مجزي ، ليس من المعقول أن تتحصل على كل شيء من أول خطوة ، ثم ليس أفضل من أن تتبع قلبك ، هل تتجه يسارا أم يمينا ، هل تفعل هذا أو ذاك ، لا تنظر للأمر نظرة تجارية خالصة ، ثمة مصادر أخرى للرزق أكثر جدوى ، ثم أبحث عما يدهشك ، وأنجزه ، أجعل عملك الفني هو رحلتك للإجابة عن هذه الدهشة وفي ذلك كله لا بد أن يكون لك هدفا ساميا يستحق كل هذا العناء .

رابط الحوار : http://aljazeeratalk.net/node/6934


1 تعليق:


لو صندوق التعليق مش ظاهر ممكن تعمل ريفرش

next previous